الشيخ الطبرسي
586
تفسير جوامع الجامع
ينصف خصمه مع علمه أنه مبطل فيحكي قوله - كما هو - غير متعصب لمذهبه ليكون ذلك أدعى إلى الحق وأرفع للشغب ، ثم يبطله بعد بالحجة في قوله : * ( لا أحب الآفلين ) * أي : لا أحب عبادة الأرباب المحتجبين بحجاب ، المتغيرين من حال إلى حال ، المنتقلين ( 1 ) من مكان إلى مكان ، فإن ذلك من صفات الأجسام ودلائل الحدوث ، وقوله : * ( لئن لم يهدني ربى ) * تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر إلها وهو آفل مثل الكواكب يكون ضالا ، وأن الهداية إلى الحق تكون بتوفيق الله تعالى ولطفه ، وقوله : * ( هذا أكبر ) * أيضا من باب استعمال الإنصاف مع الخصوم ، ثم قال : * ( إني برئ مما تشركون ) * من الأجرام التي تجعلونها شركاء سورة الأنعام / 80 و 81 لخالقها ، وأما وجه التذكير في قوله : * ( هذا ربى ) * مع أن الإشارة للشمس فهو أنه جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شئ واحد ، كقولهم : من كانت أمك ، وليصون الرب عن شبهة التأنيث ، ألا تراهم لم يقولوا : الله - سبحانه - علامة وإن كان " العلامة " أبلغ من " علام " لهذا المعنى * ( إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ) * أي : للذي دلت هذه المحدثات على أنه صانعها ومبدعها الذي دبر أحوالها : مسيرها وانتقالها وطلوعها وأفولها ( 2 ) ، وقيل : إن هذا كان استدلاله في نفسه في زمان مهلة النظر وخطور الخاطر الموجب عليه الفكر فحكاه الله سبحانه ( 3 ) ، والأول أظهر ، لقوله : * ( لئن لم يهدني ربى ) * وقوله : * ( يقوم إني برئ مما تشركون ) * .
--> ( 1 ) في نسخة : المنقلبين . ( 2 ) وهو اختيار الجبائي ، لكنه قال : إنما كان قبل بلوغه - إبراهيم ( عليه السلام ) - وقبل كمال عقله ولزوم التكليف له ، غير أنه لمقاربته كمال العقل خطرت له الخواطر وحركته الشبهات والدواعي على الفكر فيما يشاهده من هذه الحوادث . راجع التبيان : ج 4 ص 182 . ( 3 ) وهو قول البلخي على ما حكاه عنه الشيخ في التبيان : ج 4 ص 182 - 183 .